دريفتباوند — الفصل الأول: النجم الذي تحرّك
ليلةٌ توقّفت فيها أورينيس عن أن تكون مفهومة. كايلوم يتبع النجوم إلى النافورة.
Atherion Team
دريفتباوند
الفصل الأول: النجم الذي تحرّك
كان البحر خاطئًا تلك الليلة.
لا عنيفًا. لا عاصفًا. فقط… خاطئًا.
على أرصفة أورينيس، وقف الصيّادون بجانب قواربهم يراقبون المدّ وهو يرفض العودة. شِباكٌ معلّقة بلا فائدة فوق رملٍ جاف. قواقعُ بحرٍ متيبّسة تَطقطق تحت ضوء القمر حيث كان ينبغي للماء أن يكون.
همسَ رجالٌ عاشوا خمسين عامًا بجانب البحر الجملةَ نفسها.
“البحر نسي كيف يتنفّس.”

وفوق الميناء، على سطحٍ مائل في المدينة العليا، لم يلاحظ كايلوم البحر أصلًا.
كان ينظر إلى السماء.
كانت بلاطات السطح دافئة من حرارة النهار. تمدّد كايلوم على ظهره، يدٌ خلف رأسه، والأخرى تمسك قطعة فحمٍ صغيرة. بجانبه لوحٌ خشبي مخدوش بعشراتٍ ومئات العلامات الصغيرة.
خريطة. ليست للمدينة. بل للسماء.
رفع عينيه سريعًا ثم وضع نقطة أخرى.
“أربعة وثلاثون… خمسة وثلاثون…”
توقّف الفحم.
حدّق.
“لا. هذه خاطئة.”
مسح العلامة بإبهامه وحاول مجددًا.

صدر صريرٌ من الباب أسفل السطح.
“تفعلها مجددًا.”
لم ينظر كايلوم إليها.
“كان عليك أن تنام ليلًا.”
صعدت امرأةٌ السلّم ببطء وجلست بجانبه. كانت تحمل فانوسًا، لكنها لم تشعله.
“لا يمكنك حفظ السماء كلّها.”
أشار كايلوم إلى الأعلى.
“لقد حفظتها فعلًا.”
ضحكت بخفّة.
“هذا مستحيل.”
“شاهدي.”
رفع اللوح وبدأ يشير بالفحم.
“عنقود الحافة الشمالية. سبع نجوم. تلك أبهت دائمًا من الباقي. وتلك—”
توقّف.
ظلّ الفحم معلّقًا في الهواء.

“تلك لا ينبغي أن تكون هناك.”
اتبعت المرأة نظره.
“لا أرى شيئًا غريبًا.”
نهض كايلوم ببطء.
“لا… لا… هذه كابيلا.”
“نجمة الشمال؟”
“نعم.”
“وماذا؟”
“لقد تحرّكت.”
صمت.
نظرت المرأة مجددًا ثم هزّت كتفيها.
“النجوم لا تتحرّك.”
شعر كايلوم ببرودةٍ تسري في صدره.
“إنها تتحرّك الليلة.”

جاء الدوار بلا إنذار.
ليس في رأسه. بل في عظامه.
كأن الجاذبية نفسها انقلبت جانبًا.
أمسك بحافة السطح.
“ما بك؟”
“أنا—”
اختنقت الكلمة في حلقه.
ومضت صورٌ خلف عينيه.
ماء. رموز. نافورة. خمسة ظلال واقفة تحت ضوء القمر.
رمش.
عاد السطح كما كان.
لكن الإحساس لم يرحل.
في داخله، شيءٌ ما تغيّر—كإبرة بوصلةٍ وجدت اتجاهًا جديدًا فجأة.
تحرّكت شفتاه دون أن يقصد.
“أبي…”

قبل سنوات.
عاصفة. سفينة تغادر الميناء. أبوه واقفٌ على السطح.
“النجوم لا تكذب يا كايلوم.”
ضغط بوصلةً في يده.
“إذا عرفت أين ينبغي للنجوم أن تكون… فلن تضلّ أبدًا.”
ثم اختفت السفينة في الليل.
ولم تعد قط.

اختفى الدوار.
لكن الجذب بقي.
أمسك كايلوم باللوح والفحم.
تحرّكت يده فوق السطح.
لم يقرّر ماذا يرسم.
لقد رسمت نفسها.
خطٌّ واحد. يبدأ من بيته. يعبر ثلاثة شوارع. وينتهي في قلب المدينة. عند النافورة القديمة.
حدّق فيه.
“لم أرسم هذا.”

كانت شوارع أورينيس هادئة.
هادئة أكثر مما يجب.
حتى الريح بدت وكأنها تحبس أنفاسها.
مشى كايلوم بسرعة، اللوح بين يديه.
وكان الخط يتوهّج بخفّة داخل أثر الفحم.
يدلّه.
في منتصف السوق لاحظ شيئًا غريبًا.
كان هناك آخرون يمشون.
ليسوا حشودًا.
مجرد قلة.
كلّهم يتحرّكون بعجلةٍ غريبة.
كأن خيوطًا غير مرئية تسحبهم.
فتاةٌ ترتدي ثوب المعبد.
يدَاها ترتجفان كأنهما لامستا نارًا.
ورجل يحمل كتابًا سميكًا تحت ذراعه.
عيناه لامعتان كمن اكتشف شيئًا مستحيلًا.
أبطأ كايلوم.
فأبطؤوا أيضًا.
تبادلوا نظرةً قصيرة.
دون كلام.
ثم جاءت خطواتٌ من الخلف.
خرج محاربٌ طويل من الظلال، يمسك سيفًا خشبيًا.
كانت عيناه تفحصانهم بحذر.
كأنه يقرّر إن كانوا أعداء.
ثم نظر إلى ما وراءهم.
إلى المكان نفسه الذي يقصدونه.
“النافورة.” تمتم.

كانت النافورة القديمة صامتة في وسط الساحة.
لم تجرِ فيها المياه منذ عشرين عامًا.
وصل كايلوم أولًا.
رفع عينيه إلى السماء.
عادت النجوم إلى مواقعها.
وكانت كابيلا في موضعها المعتاد.
كأن شيئًا لم يحدث.
“مستحيل…”
اقتربت خطوات.
فتاة المعبد.
“أنت رأيتَه أيضًا،” همست.
“رأيت ماذا؟”
قبل أن تجيب، وصل الرجل القارئ.
“ثلاثة،” قال بتفكير.
ثم وصل المحارب.
“أربعة.”
وجاء صوتٌ من خلفهم.
“كنتم دائمًا خمسة.”
استداروا.
كانت امرأة تقف قرب حافة النافورة.
حافية القدمين.
شَعرها يتحرّك مع الريح كأنه ماءٌ داكن.
أشارت بصمت.
إلى النافورة.

تشقّق الحجر.
وانفجر الماء إلى الأعلى.
ضوءٌ أزرق ملأ الساحة.
رموزٌ التفت داخل عمود الماء كأنها نارٌ حيّة.
تقدّم الرجل خطوة، مرتجفًا.
“أعرف هذه اللغة…”
“ماذا تقول؟” سأل المحارب.
قرأ الرموز ببطء.
“حين يتّحد الخمسة…”
”…يبدأ الطريق.”

ارتفع الماء أكثر.
وبعيدًا، خلف الأسطح، على البحر الصامت—
ظهر شيء.
جزيرة.
حيث لم تكن هناك جزيرة من قبل.
حدّق كايلوم بها.
ثم بالآخرين.
خمسة غرباء.
ليلة واحدة مستحيلة.
وشعر بيقينٍ مرعب.
النجوم لم تتحرّك.
إنها التي حرّكتهم.
